السنّة هم من يهمّشون السنّة

كتبت رندلى جبور

وأعلن الرئيس سعد الحريري تعليق عمله وعمل تيار المستقبل السياسي، وعزوفه وتياره عن خوض الانتخابات النيابية المقبلة. هذا الفريق الذي كانت له اليد الطولى في السلطة منذ اتفاق الطائف وحتى اليوم، يغلق الباب خلفه تاركاً مفتاحاً في جيبه بعنوان “باقون بخدمة أهلنا ووطننا”، ولكن هذا المفتاح لا يعني على الصعيد العملي والسياسي شيئاً حتى إشعار آخر، قد لا يأتي بعد اليوم.

البعض مسرور لأن ما أعلنه الحريري يعني في مكان ما بداية أفول الحريرية السياسية والاقتصادية والمالية التي يعيش لبنان تداعياتها الكارثية، وبداية نهاية منظومة عميقة يبقى من أركانها بشكل أساسي نبيه بري المستاء ووليد جنبلاط الحزين وآخرين.

ولكن لا شك في أنّ لهذا القرار تداعيات أقلّه على المدى المنظور وخصوصاً على الساحة السنية. تلك الساحة التي لم يبرز فيها إسم يوازي سعد الحريري في مرحلة ما بعد اغتيال والده، ولا حتى الشقيق، ولن يملأ الفراغ فيها بسهولة أي شخص أو مجموعة، لا بل إن الخوف هو أن تملأ الفراغ كلمة “تطرف” غير المناسبة.
ومن المفهوم أن يشعر السنّة في لبنان بشيء من إحباط أو تهميش. ولكن مهلاً. قبل أن يستلّ البعض سيفه لاتهام الآخرين بما حصل داخل البيت، يجب أن نذكّر بأن لا أحد له ذنب في ما حصل بقدر السنّة أنفسهم.

فالمسيحيون في مرحلة ما قبل 2005 لعبوا دور التابع للحريرية السنية بشكل أساس والتي عرفت أن توسّع الدائرة لتشمل عدة طوائف من خلال زعماء لها، ثم نسجوا مع الحريري شراكة من الند للند وخصوصاً مع الرئيس ميشال عون ورئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل إيماناً منهما بأن ممنوع إقصاء من له تمثيل داخل مكوّنه، وقد لعب الرئيس عون وباسيل دوراً جباراً في إنقاذ الحريري من أزمته السعودية إياها في العام 2017. أما رئيس القوات سمير جعجع فهو الوحيد ربما مسيحياً الذي غدر بالحريري باعتراف الزرق أنفسهم، وللمفارقة فإن جعجع هو الوجه المعتمد للسعودية في لبنان.

أما شيعياً، فأكثر المتمسكين بالحريري كان بري وحزب الله الممثلين الأساسيين للشيعة، واللذيَن سعيا حتى اللحظة الأخيرة أن يبقى هو رئيس حكومة لبنان وكانا يفضلانه على جميع الآخرين مع أن لهما حلفاء في الطائفة السنية الكريمة، وكثيراً ما أرسلا إشارات ودّ على رغم هجومات الحريري المتكررة على حزب الله تحديداً، وبري هو أصلاً حليف طبيعي له.

والدروز وممثلوهم الرئيسيون لم يمسّوا يوماً شعرة من الحريري، بمن فيهم المعارضون لنهجه. وليد جنبلاط كان ولا يزال الحليف الإيبسو فاكتو، طلال إرسلان لم يهاجم إلى حد الأذية، ووحده وئام وهاب رفع السقف مراراً ولكن ضمن الخصومة المقبولة رغم كل شيء، والتي لا تصل إلى حد إضعاف أو إقصاء الممثل الأبرز للسنة أو تهميش الطائفة.

المشكلة هي إذاً من قلب البيت. السنّة هم من يهمّشون السنّة. وتبدأ الازمة من الحريري وشخصيته وإدارته لأعماله وللسياسة وللتيار، ولا تنتهي إلا في السعودية، راعية السنّة في المنطقة والتي كانت أكثر من ساهم في وصول الحريري إلى اتخاذ قرار تعليق العمل أو بكلمة آخرى الاعتزال ولو الموقّت لا على صعيد الشخص فقط بل على صعيد الجماعة السياسية الأهم. فالسعودية احتجزت، ثم منعت تشكيل حكومة، ولم تنقذ مالياً، ولا حتى دعمت سنياً آخر، ونجيب ميقاتي لم يطأ المملكة بعد ترؤسه الحكومة. ولا إشارات من أي من المسؤولين السعوديين بعد باتجاه شخص آخر أن بايعوه. والدول العربية والخليجية التي أبحر إليها الحريري طمعاً بوساطة، لم تستطع فعل شيء جدي لأنها تفضّل أن لا تخسر السعودية من أجل شخص كائناً من كان. وكل هتافات بعض الشارع السنّي وعلى رأسه الحريري والمستقبل ضد إيران وحزب الله، لم تشفع لهم لبقاءهم على قيد الحياة السياسية.

هذا عدا عن أن تيار المستقبل يحمل أصلاً في تكوينه بذور نهاية لا بدّ أن تأتي. فهو لم يقم على قضية أو فكر أو قائد لا يتكرر، بل قام على ثلاثية الدعم الخارجي والمال والسلطة. ومع سقوط الدعم الخارجي، وفقدان عنصر المال، وخسارة السلطة، لا بدّ أن يبدأ الضمور.

ضمور سيصيب المشهد ككل، ومن غير الواضح كيف ستسير الأمور، وكيف سيخرج السنّة من إحباطهم. هل بحريري آخر لا يزال رغم صرف الاموال والاعلانات غير المباشرة، بعيداً عن كسب الشعبية اللازمة؟ هل بسنّة ما يسمّى بمجموعات المجتمع المدني التي لم يبرز منها قائد حقيقي على الاطلاق ومن أي طائفة؟ هل بشخصيات سنية تقليدية ينحصر حضورها بشكل أساسي في مناطق معينة من دون التقليل من آدمية وكفاءة الكثير منها؟ هل بالمتطرفين الذين ينتظرون فرصة دائماً؟ هل بقرار سعودي أو خيار سعودي يأتي من حيث لا أحد يدري؟ هل وهل؟ من المبكر اليوم الاجابة ومن المبكر حتى ملء الفراغ بالاسم المناسب، ولهذا الحديث الكثير من التتمّات، مع سؤال جوهري هو: هل غياب الحريري والمستقبل عن المشهد سيكون نعمة أم نقمة للوطن على المدى البعيد؟

المصدر: ميديا فاكتوري