ركائز سياسة الكرسي الرسولي تجاه لبنان

“لِنُنقِذ لبنان حتّى نُنقِذ المسيحيّين”، شعارٌ اختصر بهِ الكاردينال جان-لوي توران سياسة الكرسي الرسولي تجاه مسيحيّي الشّرق ودولة لبنان، عَقِبَ زيارةٍ للبابا يوحنّا بولس الثاني إلى الأراضي المُقدّسة في العام ٢٠٠٠؛ والكاردينال توران هوَ مُهندسٌ فاتيكانيّ للحوار المسيحي-الإسلامي وقد عَمِلَ سابقًا في السفارة البابويّة في لبنان، ويُدرِكُ تمامًا أحوال مناخهِ وتضاريسِه السياسيّة. والحالُ أنَّ لبنانَ المُوَحَّد والمُخلِص لرسالتِهِ يُشَكِّلُ مِرساةً لجميع المسيحيّين في منطقة الشّرق الأوسط. وبناءً عليهِ، إنَّ مُقاربة سياسة الكرسي الرسولي تجاه لبنان تندرجُ ضمنَ الهدف العامّ للمنطقة، وهوَ حماية الأراضي المقدّسة ومسيحيّي الشّرق، حيثُ يبدو لبنان حجر الزّاوية ! فعلامَ ترتكزُ إذًا سياسة الكنيسة الكاثوليكيّة لإنقاذ لبنان ؟

لبنان الرسالة

تتمحورُ استراتيجيّةُ السياسة الفاتيكانيّة أوّلًا حول مفهوم “لبنان الرسالة”، بمعنى آخر حول سلاح الحوار المسيحيّ-الإسلاميّ بوجه مبدأ صراع الحضارات والأديان بشكل عامّ، وكُلّ النِيّات والمشاريع التقسيميّة في الشّرق الأوسط. ولبنانُ مِدماك الحوار والعيش المشترك. إنّهُ “أكثر من وطن، إنّهُ رسالة”، بحسب الشعار المعروف الّذي أطلقهُ البابا يوحنّا بولس الثاني، وقد سبقهُ عديدون. وللغاية، تجهدُ سياسة الكرسي الرسولي على صَون النّموذج اللّبنانيّ والدِّفاع عنهُ بشَتّى الوسائل على الصعيد العالميّ في المحافل الدوليّة، في اللّقاءات المُعلنة وغير المُعلنة… ومن خلال مساعي الكنائس المحليّة، على رأسها الكنيسة المارونيّة في لبنان.

وفي هذا الإطار، لم يخفِ الكرسي الرسولي امتِعاضَهُ خلال الحرب اللّبنانيّة، بخاصّةً لجهة بروز كتلة مسيحيّة مارونيّة تُقاتِلُ كتلة إسلاميّة، نسبةً للتأثير السلبيّ وتداعيات هذا الصراع الدينيّ السياسيّ على وضع المسيحيّين الآخرين في المنطقة، والضرر الكارثيّ الّذي يُلحِقهُ بكلّ مساعي كنيسة روما في ملفّ الحوار بين الأديان. وعلى الضفّة اللّبنانيّة المسيحيّة وقتها، أعلنَ بعضُهم صراحةً رفضَ السياسة الفاتيكانيّة في أن يكونوا حقل اختبار للحوار والعيش معًا. وبعد حرب الأخوة المسيحيّين ونهاية الحرب اللّبنانيّة، كان لا بُدَّ من إعادة إحياء الرّجاء وتوجيه البوصلة والمسار للمسيحيّين وللبنان. فدعا الكرسي الرسولي عام 1991 إلى عقد مجمع خاصّ من أجل لبنان، وَوُجِّهَت دعوات أيضًا لغير المسيحيّين للمشاركة. وكان “رجاءٌ جديدٌ من أجلِ لبنان” عام 1997 مُرَكِّزًا على ضرورة تعزيز الحياة المشتركة والحوار المسيحي-الإسلامي، إضافة إلى انتماء المسيحيّين واندماجهم في الثقافة العربيّة وتطويرها. ومعلومٌ أنّ سينودس الأساقفة الكاثوليكيّ لا يلتئم من أجل دولة واحدة، ما يدُلّ في هذه الحالة على أهميّة دور لبنان وضرورة إنقاذهِ لإنقاذ مسيحيّي الشّرق كلّه.

وهكذا، إيمانًا منهُ بـ”لبنان الرسالة”، رفضَ الكرسي الرسولي أيّ محاولة لتقسيم لبنان أو لإنشاء دولة مسيحيّة صغيرة ومنعزلة، إنّما ناضلَ من أجل الإنفتاح على الديانات والثقافات واحترام التعدّديّة الدينيّة والسياسيّة، محاولًا أن يواجِهَ بذلك أيضًا كلّ الرّغبات لاستيراد مسيحيّي الشّرق.

تحييد لبنان

ومع بناء “لبنان الرسالة”، يهمُّ الكرسي الرسولي ثانِيًا تحييد لبنان عن كافّة والنّزاعات والصراعات الإقليميّة المُتشابكة، عبر الضغط ونشر فلسفة الحِياد في الأروقة الدبلوماسيّة العالميّة. فاعتمد البابوات رفض قرارات الحرب الغربيّة الصُنعِ على مناطق الشّرق الأوسط لأسباب متعدّدة، منها تجنُّب انعكاسات تلك النّزاعات على مجمل المسيحيّين إذا ما صَنَّفها المسلمون حَربًا مسيحيّةً أم صليبيّةً. وعليهِ، حاولَ الفاتيكان أن يعملَ على تحييد المسيحيّين ولبنان بشكل خاصّ، فطالب مرارًا وتكرارًا بإنهاء الحرب وتحريره من كلّ الجيوش الغريبة، كما عَمِلَ في مختلف المناسبات على تجنيب البلاد مواجهةً عسكريّةً مع إسرائيل، وحمايته من شرارات الحرب السوريّة… وحاليًّا، تصُبُّ التحرّكاتُ الفاتيكانيّة في الضغط على المعنيّين وحثّهم على حَلّ ملفّ النّازحين السوريّين وإعادتهم إلى بلادهم، مع ضمان استقرار لبنان وتعزيز الاتّفاق الضمنيّ الدوليّ على تحييدهِ حتّى يَبقى منصّةً للحوار بين الأديان.

الحفاظ على الميثاقية

ثالثًا، يسعى الكرسي الرسولي للمحافظة على صيغة النّظام اللّبنانيّ والميثاق الوطنيّ – والأخير خُلاصة تاريخ من تجربة العيش المشترك – خاصّةً لجهة صَون الموقع السياسيّ المسيحيّ الوحيد في الشّرق. إذ إنّهُ مُدرِكٌ لتآكُل النّفوذ السياسيّ المسيحيّ غداة الحرب الأهليّة؛ وآخر الغيث هو الفراغ الرئاسي الّذي دام ٨٩٠ يومًا، وهو الأزمة الرئاسيّة الرابعة منذ استقلال عام ١٩٤٣، لكنّه الأطول ! وأكثر ما أقلقَ الكنيسة الكاثوليكيّة احتمال وجود نيّة لتغيير شكل النّظام السياسيّ وتقاسم السلطة الحالي بين المسيحيّين والمسلمين، في ظلّ محاولة الإبادة والإضطهاد الّذي يتعرّض له المسيحيّون في المنطقة. والمُلفِت أنَّ الدبلوماسيّة الكاثوليكيّة بدأت تحرّكاتها منذ أوائل العام ٢٠۱٤ بمعنى أنّها استبقت الإستحقاق الرئاسيّ بأشهر عديدة، وذلك وفق محورين. الأوّلُ خارجيٌّ من خلال مروحة الإتّصالات مع القوى الدوليّة المؤثّرة، واستُهِلّت بالتّطمين الّذي تلقّاه البابا فرنسيس من الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند خلال لقاءهما في ٢٤ كانون الثاني ٢٠۱٤، علمًا أنّ الدبلوماسيّة الفرنسيّة لعبت دورًا فاعِلًا جِدًّا خاصّة عن طريق بناء جسور التفاهم بين إيران والمملكة العربيّة السعوديّة. أمّا المحور الثاني الداخليّ تركّزَ حول محاولات السفير البابويّ والبطريرك المارونيّ في خلق تفاهم بين القوى المحليّة. وقد بدأت منذ نشرت بكركي “المذكّرة الوطنيّة” في ٩ شباط ٢٠۱٤ مُشَدِّدَة على وجوب احترام الميثاق الوطنيّ والمشاركة الفعليّة في السلطة، مشيرةً ضِمنِيًّا لضرورة انتخاب رئيس جديد للجمهوريّة ضمن المهلة المُحدَّدَة دستورياً.

محورية بكركي

أخيرًا، تعتمد سياسة الكرسي الرسولي تجاه لبنان على تقوية موقع بكركي روحِيًّا وسياسيًّا، وإعادة إحياء الإيمان المسيحيّ. والعنوانُ الأخير ما هُوَ إلّا اختصارٌ للـ”الإرشاد الرَّسوليّ ما بعد السّينودس: الكنيسةُ في الشَّرق الأوسط” للبابا بندكتس السادس عشر الّذي صدرَ عام ٢٠۱٢. والإرشادُ خريطةُ طريقٍ تُبَيِّنُ سياسة الكرسي الرسولي للشرق كلّه، وقد شَدَّدت على أولويّة التجديد الداخليّ، وضرورة إحياء إيمان حقيقيّ وشهادة حقّة – خاصّة للكنيسة في لبنان – من دون التطرّق إلى أفكارٍ سياسةٍ، بيدَ أنّ الأزمة السوريّة كانت قد ألقت بظلالها المُرعِبة.

أمّا اختيار لبنان لتوزيع الإرشاد الرَّسوليّ، فهوَ خيرُ دليلٍ على الدور المُلقى على عاتق موارنة لبنان، وتحديدًا على بكركي، وعلى الخوف من إضعافها. وقد نُشر في الإعلام في تشرين الأوّل ٢٠۱٥ ما سُمِّيَ بـ”التقرير الأسود”، مُتضمِّنًا قلق الفاتيكان من “تغييب دور بكركي وإضعافها على مستوى القرار الوطنيّ المسيحيّ”، خاصّةً بعدَ الشّرخِ وعدم الإنسجام الّذَينِ تجلّيا خلال محاولات البطريرك المارونيّ في جمع الأقطاب المسيحيّين لحلّ الملفّ الرئاسيّ. وعلى أيِّ حال، فسياسة الكرسي الرسولي تُعَوِّلُ بشدّةٍ على البطريركيّة المارونيّة، إذ طالت حركة البطريرك سوريا والقدس المحتلّة والمملكة العربيّة السعوديّة وفرنسا والولايات المتّحدة الأميركيّة وغيرها، وجميعها تحملُ بصمةً فاتيكانيّةً.

“لِنُنقِذ لبنان حتّى نُنقِذ المسيحيّين”، وباختصار إنَّ إنقاذ لبنان بالنّسبة للفاتيكان لا بُدَّ من أن يمرَّ ببكركي بمِعنى أن تبنيَ الكنيسةُ المارونيّةُ “لبنانَ الرسالة”.

المصدر: اليوم الثالث

English