ماذا عن مسيحيّي لبنان عندما يُصبحون أقلّ من 10 في المئة؟

الواقع يُثبت أن لا خيار أمام المسيحيين سوى التحرُّك ضمن “أمر واقع” العدّ، وانتهاء “المناصفة” وكلّ ما يتعلّق بها، حتى ولو أُشبِعوا كلاماً يُخالفه. فالمعادلات الديموغرافية واضحة، إذ تُظهر آخر الإحصاءات (بحسب “الدولية للمعلومات”) أن عدد المسيحيّين بات أقلّ من ثلث العدد الإجمالي لسكّان لبنان، بما نسبته 30.6 في المئة، وهو ما يعني أن هذا الواقع سينعكس (وينعكس بالفعل) على كلّ شيء، في كلّ عام أكثر من الذي يسبقه، سواء كان يتعلّق بالدولة وخريطة توزيع الوظائف في قطاعها العام، كما في التوازُن الطائفي المتعلّق بالجيش اللبناني وقوى الأمن، وكلّ ما يمتّ الى الدولة بِصِلَة.

المسيحيون يتعاملون مع الضّائقة الإقتصادية والمعيشية الآخذة في التزايُد بعد الحرب الأهلية من خلال تخفيض عدد ولاداتهم، بهدف تأمين العيش الكريم لكلّ أولادهم، في شكل مقبول ومتوازن. فيما ساهمت مرحلة القمع السياسي خلال فترة الإحتلال السوري للبنان بين عامَي 1990 و2005، بفتح باب الهجرة أمامهم على مصراعَيْه (رغم أنه لم يَكُن جديداً، ولكنّه زاد كثيراً في تلك الفترة). أما المسلمون، فهُم لا يتحمّلون مسؤولية تراجُع الولادات لدى العائلات المسيحية، ولا يُريدون (بنسبة ساحقة منهم) تعديل نِسَب ولاداتهم لتتناسق مع الضّائقة المعيشية، وهذا خيارهم وشأنهم. ولكنّ هذا الواقع بات يتطلّب مواكبةً لبنانية على المستوى المؤسّساتي والرّسمي، تتجاوز اتّفاقات تمّ التوصُّل إليها سابقاً، بما فيها اتّفاق “الطائف” الذي كانت له ظروفه وشروطه، ووُضع في مرحلة كانت أعداد المسيحيّين في لبنان يُمكنها أن تفرض معادلات معيّنة (بنسبة أو بأخرى، لِكَوْن المسيحيين خرجوا مُنهَكين من الحرب الأهلية).

وانطلاقاً ممّا سبق، يظهر أنه من الضروري وقف إضاعة الوقت بالكلام على المناصفة، وعلى ما يؤمّنه اتّفاق “الطائف” من توازُن بين المسيحيين والمسلمين في لبنان، والذي لن يكون في السنوات القليلة القادمة سوى مادّة يُمكن إدخالها في كتابة تاريخ لبنان، إذا تمّ الإتّفاق على كتابته. وبات يتوجّب على المسيحيّين إقناع شريكهم المُسلم في الوطن بضرورة التوصُّل الى صِيَغ جديدة، موقّعة رسمياً، تحفظ “الوجود” المسيحي في الدولة اللبنانية على ما كان عليه سابقاً، كحاجة وطنية ودعماً لصورة ودور لبنان في المنطقة، حتى ولو تقلّصت أعداد المسيحيّين في لبنان الى ما دون الـ 10 في المئة!!!…

الخريطة السياسية المسيحية غير مشجّعة على ذلك، لا سيّما مع وجود تبايُنات مسيحية – مسيحية كثيرة. فضلاً عن أن كثيراً من المسيحيّين لا يزالون ثابتين في طمر رؤوسهم بالتّراب، ويهربون من واقع أن سلاح “حزب الله”، وإعطاء الفلسطينيين حقوقاً عنوةً عن الدولة اللبنانية، والإمتداد الإقليمي العربي أو الفارسي أو التركي… كلّها أمور باتت عملياً أهمّ من “لبنان الكبير”، والأرزة، وحتى أكبر من النّموذج اللبناني بحدّ ذاته، لدى شريكهم المسلم (لدى معظم المسلمين، على اختلاف توجّهاتهم السياسيّة).

لا نغفل عن أن للمسيحيّين إمتداداتهم الإقليمية والدولية أيضاً، ولكنّها لا تعوّم حضورهم الداخلي في لبنان، ولا تُريد ذلك. وهو ما بات يفرض تحرّكاً من نوع آخر، يضع الواقع على مشرحة البحث، وبصراحة، للحفاظ على ما تبقى من وجود مسيحي بعيد من العناوين “الطنّانة” و”الرنّانة”، وبمعزل عن “البطولات القومية” و”دونكيشوتيات” البعض، التي لا تنجح سوى في إظهار المسيحيّين إما أهل ذمّة، أو أهل بلاط، يكتفون بفُتات أهل “العيش المشترك” من حلفائهم المسلمين المرحليّين!؟…

“الموسَّعَة”؟

رأت مصادر سياسية بارزة أن “الحلّ في هذا الإطار يتطلّب إلغاء الطائفية بالنّسبة الى البعض منعاً لزوال الوطن كلّه. المسيحيون يخافون من هذا الطّرح، ويُطالبون بضرورة إلغائها من النّفوس أوّلأً قبل النصوص. ولكن يُمكن أن يبدأ العمل بإلغائها من النصوص أوّلاً، فيما تلحق النفوس بهذا الرّكب في ما بعد”.

وشدّدت في حديث الى وكالة “أخبار اليوم” على أن “المسيحيين خسروا الديموغرافيا في لبنان، بالفعل، وأي حلّ آخر غير إلغاء الطائفية يُمكنه أن يكون في هذه الحالة البحث عن اللّامركزية الموسّعة مثلاً”.

رأي…

وأكدت المصادر أن “الدولية للمعلومات” التي صدر عنها الإحصاء الأخير حول أعداد السكّان في لبنان ليست جهاز إحصاء، كما أنها ليست مؤسّسة رسمية لا لبنانة ولا عربية ولا دولية. وبالتالي، لا يُمكنها أن تُعطي أرقاماً، لا سيّما أن توقيت ما تمّ تقديمه حول أن عدد المسيحيّين في لبنان أصبح أقلّ من ثلث عدد سكّانه، هو مشبوه، ولا يجوز التوقُّف أمامه”.

وأضافت:”هنا نسأل، من كلّف “الدولية للمعلومات” بهذه المَهمَّة؟ ومن موّل هذا المشروع المُكلف (الإحصاء الذي قدّمته)؟ وما هي الأهداف الحقيقية منه؟ وبالتالي، لا قيمة لما صدر عنها”.

ورأت أن “كلّنا يعلم بالإختلال الموجود في الصيغة اللبنانية كأمر واقع. المسلمون صاروا أكثر عدداً من المسيحيين، ولكن تحديد أرقام من قِبَل “الدولية للمعلومات” هو رأي، لا أكثر ولا أقلّ”.

“فركوشة”!؟

وأشارت المصادر الى أن “العددية لا تعني شيئاً، وأقرّ بذلك الإمام الراحل محمد مهدي شمس الدين أمام مثلّث الرّحمات البطريرك الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير، عندما كان يزوره في الماضي. والواقع يُظهر أن ما أضعف المسيحيين في لبنان هو أنه لم تَعُد لديهم روح الرسالة أبداً، ولا حتى مَهمَّة، وهو ما يُنهي دورهم”.

وحول الخيارات المُتاحة أمام المسيحيّين عندما يُصبحون مستقبلاً أقلّ عدداً من الآن، ختمت المصادر:”إذا ظلّ المسيحيّون يعلمون حقيقة مَهمَّتهم في لبنان، ويعملون بموجبها، فإنه يُمكنهم في تلك الحالة أن يحافظوا على قوّة لهم رغم قلّة عددهم. أما ابتعادهم عن مَهمَّتهم الأساسية التي تقوم على دورهم الرّيادي في المنطقة، فسيحوّلهم الى “فركوشة” في العالم العربي، بين ملايين المسلمين”.

المصدر: أخبار اليوم

English