كتب د. إيلي الياس.. بين النمر والأسد!! عن لقاء الرئيسين اللبناني والإسباني كميل شمعون والجنرال فرانسيسكو فرانكو!!

د. إيلي جرجي الياس، كاتب، وباحث استراتيجيّ، وأستاذ جامعيّ،

أما وقد انتهت الحرب العالمية الثانية أقسى الحروب في تاريخ الانسانية وأعنفها، لم يكن أمام العالم فرصة لالتقاط أنفاسه رغم انبثاق الأمم المتحدة كهيئة جامعة لإحلال السلام والأمان على وجه الكرة الأرضية، إلا وانطلقت الحرب الباردة بين الجبارين الأميركي والسوفياتي، ولاحقاً بين معسكريهما، حلف شمال الأطلسي وحلف وارسو، حرب استخبارية باردة ولكن مركزة بين موسكو وواشنطن، وستكون تداعياتها سلسلة من الحروب العسكرية والأمنية المستعرة في العالم الثالث!!

وبينما كان الأميركيون مهتمين بوضع إسبانيا الفاشية الكاثوليكية بقيادة الكاوديو الجنرال فرانسيسكو فرانكو المطلقة تحت الحصار المطبق كنتيجة لانتصارها في الحرب العالمية الثانية، مع اعتبار إسبانيا الوريثة الأخيرة للفاشية العالمية، سرعان ما انقلب السحر على الساحر، وباتت واشنطن ترى في فرانكو المعارض الشرس للاتحاد السوفياتي و الشيوعية العالمية، مشروع حليف محتمل، ولكن كيف للولايات المتحدة أن تتصل بالنظام الفرانكوي عبر طرف ثالث ضروري، لئلا تخف هيبة الولايات المتحدة، ولأن نظام فرانكو يرفض بشكل نهائي وحاسم الاعتراف بالكيان الإسرائيلي الغاصب على أرض فلسطين الطاهرة.

ومن لهذه المهمة الصعبة، وبنصيحة سعودية عالية، إلا رجل التحديات، صديق الولايات المتحدة وبريطانيا والرئيس الجنرال دوايت أيزنهاور ورئيس الحكومة الداهية ونستون تشرشل، الرئيس اللبناني النمر كميل شمعون، إلا أن النمر أذكى من أن يخطو خطوة ناقصة، فلم يقصد عرين الأسد الجنرال فرانكو، بل قصد عاصمة صديقه الصدوق رئيس الأرجنتين الجنرال خوان بيرون، بيونس آيرس، في أيار ١٩٥٤، بترتيب محتمل من صديق الطرفين النائب اللبناني رافاييل لحود، وقد أبدى الرئيس بيرون تقديره لقدرات شمعون السياسية الاستثنائية في إقناع الطرف الآخر بما يريد، وانطلقت مسيرة العلاقات التاريخية بين لبنان والأرجنتين، ووصلت إلى الرسالة إلى الرئيس فرانكو فأبدى رغبته بلقاء الرئيس شمعون الجريء في تحقيق ما يريد، حتى ولو غضبت موسكو، وحتى ولو لم تتوقع واشنطن نجاحه!!

إلا أن الرئيس شمعون نجح في ما هو مقتنع به، فكانت زيارته التاريخية إلى مدريد سنة ١٩٥٥، حيث استقبله الرئيس فرانكو كضيف كبير، وكانت له سلسلة من اللقاءات والجولات ساهمت في تعزيز العلاقات اللبنانية والإسبانية، وفي تبادل الرسائل السرية عبر لبنان بين مدريد وواشنطن، ولاحقاً وافقت واشنطن على مقترحات فرانكو بفك الحصار عن إسبانيا ودعمها سياسياً واقتصادياً مع عدم اعتراف فرانكو بالكيان الإسرائيلي، في مقابل انضمام مدريد مع ما تملك من قدرات استخبارية هامة إلى المعسكر الأميركي في مواجهة الاتحاد السوفياتي، وهذا ما سمح بعودة الاستخباري الخطير النازي السابق راينهارد غيهلن، من واشنطن إلى برلين، رئيساً لجهاز المخابرات الألمانية الغربية…. وقد توج هذا التقارب بزيارة نوعية للرئيس الأميركي الجنرال دوايت أيزنهاور إلى مدريد، في ٢١ و٢٢ كانون الأول ١٩٥٩، وسط استقبال رائع ومهيب!! سيذكر التاريخ اللقاء بين النمر والأسد: نمر لبنان وأسد إسبانيا!!

وقد لعبت السيدة اللبنانية الأولى زلفا شمعون دوراً هاماً في كسب التأييد لزوجها الرئيس كميل شمعون، بجاذبية حضورها وكلامها وأفكارها…. وقد ذكرت الرئيس بيرون، بزوجته الرائعة الراحلة إيفا بيرون إيفيتا، فأثنى على ذوق الرئيس النمر في الحب، كما في السياسة!!

English