الحوار مع الذّات والآخر.. واقع الدّول العربية.. بقلم إيمان درنيقة الكمالي

نادراً ما كان العالم العربي بحاجة الى مراجعة في سياسته الداخلية والخارجية كما هي الحاجة اليوم! فبعد أحداث 11 أيلول، تمّ اختزال كل ما يتعلق بالعرب في صورة واحدة عنوانها “الإرهاب”، وعناصر واحدة سميّت بـ “التطرف”؛ ممّا جعل ضرورياً بل ملحّاً وجوب الدّعوة الى حوار بين العرب والغرب لتبديد غمائم سوء الفهم واستجلاء الحقائق وكشف الوقائع من الأوهام!

ولكن، كيف يمكننا أن نطالب بحوار مع الغير (الغرب)، بينما نحن في الدّاخل (العرب) نفتقد إلى أسس الحوار الحقيقي ونعيش تصدّعات وانشقاقات وأزمات تتجلّى مظاهرها يوما بعد يوم على كافة أنحاء المسرح العربي؟ وهل يبدو منطقيّا أو واقعيّا الدّعوة إلى حوار مع الآخر، اذا كنّا في الأساس عاجزين عن إقامة حوار مع أنفسنا؟؟ وهل “الصورة السلبية للعرب” موجودة فقط في أعين الغرب، أم أنَّ العرب أنفسهم ينظرون بشكل عدائي وسلبي إلى كل من يخالف آراءهم ومواقفهم وانتماءاتهم؟

لطالما كانت الدّول العربية في حالة تفكّك وضعف شديدين. ففي مطلع القرن العشرين، كان العرب موزّعين ضمن ولايات تابعة لحكم عثماني ضعيف، ولم تستطع الولايات العربيّة أن ترقى إلى مفهوم “الأمة العربيّة القومية” الّتي طالب بها الشريف حسين، كما وظلّت مفكّكة في ظلّ الانتداب (الاستعمار) الاوروبي الذي سعى إلى التّركيز على حماية الأقليات الدينيّة والمذهبيّة، فكانت النتيجة نشوء كيانات هجينة عملت على تسييس البنى العشائريّة والقبليّة والطائفيّة واعادة تدويرها لخدمة مصالح الدول المنتدبة…

وهكذا فقد دخل العرب القرن الحادي والعشرين وهم يواجهون تحديّات داخليّة لا حصر لها، تعود بعضها إلى وجود العصبيّات القبليّة والطائفيّة والزّعامات الفرديّة. وإذا ألقينا نظرة شاملة على السّاحة العربيّة في الوقت الراهن ، لشهدنا التناقضات الّتي تنعكس عن طريق إثارة النعرات الطائفية والعرقية والانشقاقات والتصدّعات و النزاعات واتهامات التكفير، وأعمال القتل والإبادة في كل من العراق وسورياوليبيا وفلسطين وغيرها من الدول العربيّة الّتي تعكس نماذج صارخة لغياب الحوار الداخلي بكل مقوّماته وشروطه.

والأمر كذلك بالنسبة إلى لبنان الذي لطالما أخبرونا أنّه يمثل النّموذج الذي يطمح العالم العربي بأجمعه اقتفاء أثره في الديموقراطية والحرية الفكرية. فقد استطاعت المعضلة الطائفيّة أن تتوغّل وتتجذّر في نظامه السّياسي المعروف بالديموقراطيّة التوافقية، (علماً أنّه أبعد من أن يكون عن الديموقراطية أو حتى التّوافقية)… ونرى المجتمع اللبناني اليوم يعيش ازدواجية الانتماء السياسي بين الطائفية والوطنية… بل والمأزق الأكبر أنّ الولاء للطائفة والزعيم في لبنان اصبح اكثر أهميّة من الولاء للوطن، لدرجة لا يمكن إدارة الظهر للطوائف أو إلغاء وجودها، فاللبناني “يولد، ويعيش، ويتزوج، ويموت طائفياً” بحسب تعبير الدكتور ادمون رباط، والسّياسي الطّائفي يعمل القليل ما عدا تعزيز موقع عائلته والاحتفاظ بتركيبة البلد الطائفيّة السياسية، وهذا ما يعطل ويعرقل إمكانيّة حصول أي حوار حقيقي، فينعدم التّآلف والتّآخي والتّوافق إلّا في سبيل تحقيق التّسويات والمساومات الّتي تؤدّي بالضّرورة إلى تحقيق المكاسب الشّخصيّة….

ملخّص القول، لا خلاص للعرب إلّا من خلال إقامة حوار حقيقي في ما بينهم من أجل الخروج من دائرة الطائفيّة والقبليّة! لقد عجزت الدول العربيّة عن تحقيق تنمية عربية شاملة ومستدامة؛ وكل ما قامت به في المقابل هو الاكتفاء بإطلاق مؤسسات قوميّة غير فاعلة كجامعة الدّول العربيّة. نحن بحاجة الى فكر عربي جديد “عابر للحدود القطرية” لإطلاق مشروع نهضوي عربي يعطي العرب فرصة تاريخية للمشاركة في النّظام العالمي الجديد من موقع الفاعل وليس المتلقّي. هو -المشروع- غائب حتّى الآن؛ لكنّنا نتأمل أن نستحضره من طريق تسليم الراية الى نخب قومية جديدة وجيل جديد يتوسّل الحوار لتسليط الضوء على معوّقات العمل العربي وتصويب مساره!

لا شكّ في أنّ العرب اليوم بحاجة إلى قيادة متنوّرة تقوم على تخطيط طويل الأمد مقرونٍ بحوار مبني على أساس النديّة! فلنتعلم من تجارب الشّعوب الأخرى الّتي نجحت في نقل مجتمعاتها من حالة التخلّف والتصدّع الى حالة التّقدم والسّلام!! وكفانا دولا تستثمر مواردها فقط لإنتاج المزيد من الأزمات والويلات!!!

إيمان درنيقة الكمالي- أستاذة جامعيّة

المصدر: النهار