قناة السويس من القرن الثامن عشر إلى حادثة EverGiven.. كتب عبدالله ناصرالدين

قبل حوالي ١٥٠ عام كان البحر الأحمر غير متصل بالبحر الأبيض المتوسط و كان من أراد الذهاب إلى أوروبا بحراً قادماً من آسيا أو أفريقيا عليه أن يدور حول قارة أفريقيا مروراً برأس الرجاء الصالح ، وكانت السفن لا تتمتع بالتطور الموجود حالياً لذلك لم تكن سريعة حيث كانت تستغرق الرحلة عدة أشهر.

مع حملة نابليون على مصر في العام 1798 م. ظهرت له فكرة شق قناة مائية تربط البحر الأبيض المتوسط بالبحر الأحمر لكن تلك الفكرة لم تنجح.

وفي نهاية خمسينيات القرن الثامن عشر إستطاع السياسي الفرنسي “ديل سميث” إقناع “محمد سعيد باشا” حاكم مصر بالفكرة ، و فعلاً تم عقد إتفاق بين شركة فرنسية يديرها “سميث” وبين الإدارة المصرية على إمتياز الحفر، و تشغيل القناة لمدة ٩٩ عام.

بدأت أعمال الحفر عام ١٨٥٩م. واستمرت لمدة ١٠ سنوات لتنتهي عام ١٨٦٩م. و كان طول القناة ١٩٣ كم تقريباً. شارك في حفر القناة حوالي مليون مصري ، توفي منهم ١٢٠ الف شخص بسبب نقص التغذيّة و انتشار الأوبئة و حوادث العمل.

بعد إفتتاح القناة بمدة، حاولت الشركة الفرنسية تمديد حق الإمتياز ٥٠ عاماً أخرى لتصبح ١٤٩ عام بدل ٩٩ عام لكن كل محاولاتها باءت بالفشل ، و رفضت الإدارة المصرية التمديد.

التأميم:

في العام ١٩٥٦م. و قبل انتهاء حق الامتياز ب ١٢ سنة أصدر سيادة الرئيس الراحل جمال عبدالناصر قراراً سيادياً بتأميم قناة السويس و تسبب ذلك في إعلان بريطانيا و فرنسا و مشاركة العدو الإسرائيلي الحرب على مصر ، سُمّيت بالعدوان الثلاثي.

المنافسة:

و في العام ١٩٦٠م. تقدم العدو الإسرائيلي للادارة الأميركية بمشروع شق قناة خاصة به و تكون منافسة لقناة السويس و أكثر حداثة تبدأ من ميناء إيلات و تنتهي في الطرف الشمالي لمدينة غزة. رفض الأميركيون الطلب منعاً لحدوث تلوّث نووي بسبب اقتراح الصهاينة لآلية حفر تعتمد على تفجير كمية من القنابل التي تصل قوتها الى ٥٢٠ قنبلة نووية ، وذلك بسبب إرتفاع الهضاب الممتدة على خط القناة المقترحة والتي أراد العدو تسميتها بقناة بن غوريون.

التطوير:

في الماضي كانت السفن صغيرة و كان بامكانها عبور القناة بالإتجاهين في نفس الوقت ، لكن عندما ظهرت السفن التجارية العملاقة أصبح من الصعب مرور السفن معاً في الإتجاهين في الوقت نفسه مما إضطر إدارة القناة لوضع خططاً لتنظيم العبور بشكل آمن ومنعاً من حدوث أخطاء.

أما بالنسبة لتحديث القناة مواكبة لتطورات صناعة السفن ، تم إستحداث بعض التفريعات عام ١٩٥٥م. و توسعة اخرى عام ٢٠١٥ من أجل تقليل زمن عبور السفن و السماح لسيرها بالإتجاهين بنفس الوقت (إلا في بعض الأماكن التي يتوجب فيها سير سفينة واحدة) حيث استطاعت تقليص وقت العبور من ١٨ ساعة الى ١١ ساعة و بالتالي ارتفعت قدرة القناة من عبور ٤٩ سفينة يومياً إلى عبور ٩٧ سفينة في اليوم. كم تسمح القناة بعبور السفن ذات غاطس يصل إلى ٢٠ متر، ويمر عبرها ١٢% من حجم التجارة العالمية

حادثة إغلاق قناة السويس آذار ٢٠٢١:

صباح يوم الثلاثاء في ٢٣ آذار ٢٠٢١ دخلت إلى قناة السويس سفينة ضخمة إسمها EverGiven وهي من أكبر ناقلات الحاويات في العالم ، تم تصنيعها عام ٢٠١٨ وهي تحمل علم بانما.

يبلغ طول السفينة حوالي ٤٠٠ متر (اي ما يعادل طول ٤ ملاعب كرة قدم)

عرض السفينة ٥٩ متر

الوزن الإجمالي ٢٢٤ الف طن

يبلغ عمق غاطس السفينة ١٥.٧ متر

الحمولة ٢٠ الف حاوية ممتلئة بالبضائع الثقيلة.

وجهة السفينة : قادمة من الصين و متجهة إلى هولاندا.

بعد أن قطعت السفينة ١٢ كم داخل القناة باتجاه الشمال هبّت عواصف ترابية بسرعة ٤٠ عقدة تسببت هذه العواصف بفقدان قيادة السفينة القدرة السيطرة عليها مما ادى الى جنوحها داخل ممر القناة الذي يبلغ عرضه ٢٩٥ متر و يبلغ عمقه ٢٤ متر مما ادى الى غرز مقدمة السفينة برمال ضفة القناة ، هذه الحادثة أدّت الى اغلاق القناة بشكل كامل و عدم قدرة قبطان السفينة لاعادتها الى مسارها ، مع العلم انه لأسباب هندسية تتعلق بتصميم مسار القناة يبلغ عمق اطراف القناة حوالي ١١ متر.

لتعذّر تفريغها انتقلت هيئة ادارة القناة إلى فكرة تحريرها عبر استعمال كراكات بحرية لشفط الرمال و الحفارات العاملة اليابسة، حيث نجحت ادارة القناة بتحرير السفينة و اعادة الحياة اليها بعد ٦ أيام من العمل المتواصل.

خسائر تعطيل قناة السويس:

ان توقف الملاحة يعطل بضائع بقيمة ٩.٦ مليار دولار يومياً أي ما يعادل ٤٠٠ مليون دولار في الساعة.

اتخاذ السفن المنتظِرة قرار تغيير خط الملاحة يعني اخذ المسار البحري الأطول و هو الذي يمر برأس الرجاء الصالح مما يزيد على زمن الوصول أكثر من نصف شهر من أجل الوصل الى حوض المتوسط مما يرتب زيادات على مصاريف الشحن و زيادة ايضاً في استهلاك الوقود.

بسبب اغلاق القناة تبلغ قيمة خسارة مصر اليومية حوالي ١٤ مليون دولار..

الملفت في هذه الأزمة مقارنة بحوادث مماثلة ، أن أي سفينة يحدث معها حادث شبيه تدخل في خانة عدم القدرة على الإبحار مباشرة جراء الأضرار التي لحقت بها من الحادث ، أما في حادثة قناة السويس فقد أثبت الخبراء المصريون على قدرات عالية جداً و احتراف مميز بإدارة هكذا أزمة و استطاعوا انقاذ الوضع في مدة قياسية و دون اي اضرار تُذكر كان بامكانها ان تضع السفينة العملاقة في حالة عدم القدرة على إكمال طريقها، مما أدهش جميع المتابعين و أولهم من أعاد احياء مشروع لبناء قناته الخاصة عبر الأراضي الفلسطينية المحتلة.

قناة السويس الجديدة

قناة السويس القديمة

صورة جوية لقناة السويس و مشروع قناة بن غوريون الصهيوني

السفينة المجنّحة

قناة السويس الجديدة

المصدر: wadipress.com